عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
566
اللباب في علوم الكتاب
قوله « يكن منكم » « يكن » في هذه الأماكن يجوز أن تكون التامّة ، ف « منكم » إمّا حال من « عشرون » لأنها في الأصل صفة لها ، وإمّا متعلق بنفس الفعل ، لكونه تاما ، وأن تكون الناقصة فيكون « منكم » الخبر ، والمرفوع الاسم ، وهو « عشرون » ، و « مائة » ، و « ألف » . فصل روى عطاء عن ابن عبّاس : « لما نزل التكليف الأوّل ضجّ المهاجرون ، وقالوا : يا ربّنا نحن جياع ، وعدونا شباع ، ونحن في غربة وعدونا في أهلهم ، ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا ، وعدونا ليس كذلك ، وقال الأنصار : شغلنا بعدوّنا ، وواسينا إخواننا ، فنزل التّخفيف » « 1 » . وقال عكرمة : « إنّما أمر الرجل أن يصبر لعشرة ، والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين ، فلمّا كثروا خفف اللّه عنهم « 2 » ، ولهذا قال ابن عباس : « أيّما رجل فرّ من ثلاثة فلم يفر ، فإن فر من اثنين فقد فرّ » . والجمهور ادّعوا أن قوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ناسخ للآية المتقدمة » . وأنكر أبو مسلم الأصفهانيّ هذا النسخ ، وقال : « إن قوله في الآية الأولى : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ فهذا الخبر محمول على الأمر ، لكن بشرط كون العشرين قادرين على الصّبر لمقاتلة المائتين ، وقوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً يدلّ على أنّ ذلك الشرط غير حاصل في حقّ هؤلاء ، فالآية الأولى دلّت على ثبوت حكم بشرط مخصوص ، وهذه الآية دلّت على أنّ ذلك الشّرط مفقود في حقّ هذه الجماعة ، فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم ، وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ البتة » . فإن قيل : قوله تعالى : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ معناه : ليكن العشرون صابرون لمقابلة المائتين ، وعلى هذا التقدير فالنسخ لازم . فالجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم ؟ . والحاصل أنّ لفظ الآية ورد بلفظ الخبر ؛ خالفنا هذا الظّاهر وحملناه على الأمر ، أما على رعاية الشرط فقد تركناه على ظاهره ، وتقديره : إن يحصل منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين ، فليشتغلوا بمقاومتهم ، وعلى هذا فلا نسخ . فإن قيل : قوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ مشعر بأن هذا التّكليف كان متوجها عليهم فالجواب : لا نسلم أنّ لفظ التخفيف يدلّ على حصول التثقيل قبله ؛ لأنّ عادة العرب الرخصة بهذا الكلام ، كقوله تعالى عند الرّخصة للحر في نكاح الأمة ، لمن لا يستطيع
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 283 ) . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 15 / 155 ) عن عكرمة .